عثمان بن جني ( ابن جني )
220
سر صناعة الإعراب
فإنما حكاها صاحب العين ، وفي كتاب العين من الخطل والاضطراب ما لا يدفعه نظّار جلد ، وإنما يخلد إليه من ضاق عطنه ، واستروح من كلفة الحفظ إلى دعة النسيان والترك . وذاكرت بكتاب العين يوما شيخنا أبا علي فأعرض عنه ، ولم يرضه لما فيه من القول المرذول والتصريف الفاسد ، فقلت له كالمحتجّ عليه : فإن في تصنيفه راحة لطالب الحرف . فقال : أرأيت لو أن رجلا صنّف لغة بالتركية تصنيفا حسنا ، هل كنا نقبلها منه ونستعملها ؟ أو كلاما هذا نحوه قد بعد عهدي به . ورأيت أبا محمد بن درستويه قد أنحى على أحمد بن يحيى في هذا الموضع من كتابه الموسوم بشرح الفصيح « 1 » ، وظلمه ، وغصبه حقّه ، والأمر عندي بخلاف ما ذهب إليه ابن درستويه في كثير مما ألزمه إياه ، وما كنت أراه بهذه المنزلة ، ولقد كنت أعتقد فيه الترفع عنها وإن كان من أصحابي وقائلا بقول مشيخة البصريين في غالب أمره ، وكان أحمد بن يحيى كوفيا قلبا ، فالحق أحقّ أن يتّبع أين حلّ وحيث صقع . ولو أن إنسانا تتبع كتاب العين ، فأصلح ما فيه من الزيغ والاضطراب لم أعنّفه في ذلك ، ولرأيته مصيبا فيه مأجورا على عمله ، وإن وجدت فسحة أصلحت ذلك وما في كتاب الجمهرة مما سها فيه مصنّفه رحمه اللّه . وذهب أبو الحسن إلى أن الهاء في « هجرع » و « هبلع » زائدتان ، لأنهما عنده من « الجرع » و « البلع » وذلك أنّ « الهجرع » هو الطويل ، و « الجرع » : المكان السهد المنقاد ، و « الهبلع » : الأكول ، فهذا من البلع ، فمثالهما على هذا « هفعل » . وذهب الخليل فيما حكى عنه أبو الحسن إلى أن « هركولة » : « هفعولة » وأن الهاء زائدة ، قال : لأنها التي تركل في مشيتها . وسمعت بعض بني عقيل يقول في « هركولة » : « هرّكلة » ، قال : هرّكلة فنق نياف طلّة * لم تعد عن عشر وحول خرعب « 2 »
--> ( 1 ) هو المطبوع باسم تصحيح الفصيح . انظر ( 1 / 103 - 104 ) . ( 2 ) البيت في اللسان ( هركل ) ( 14 / 219 ) . فنق : جسيمة حسنة فتية منعمة . نياف : تامة الطول والحسن . القاموس ( 3 / 203 ) الخرعب : الحسنة الخلق ، وقيل البيضاء ، ولم أقف على ( طلة ) في أوصاف النساء ، وفي اللسان : يقولون : خمرة طلة ، ورائحة طلة : أي لذيذة ، وحديث طل : حسن .